تهافتت سريعاً بعض أهم حجج إسرائيل، منذ تأسيسها، التى قامت عليها دعايتها فى العالم، خاصة فى الغرب، وتَكشَّفت المُغالَطات والأكاذيب التى قامت عليها هذه الدعاية! وكانت المفارَقة الكبرى أن إسرائيل هى التى فضحت نفسَها بنفسِها، وفقط خلال العامين الأخيرين منذ بدأت عدوانَها الرهيب على غزة، ولا تزال مستمرة بلا أى رادع وفى انتهاك علنى لكل اتفاقات التهدئة التى تُصَدِّق عليها!
ومن الأمثلة الكثيرة على هذا ادعاؤها بأن الكتب المدرسية للتلاميذ العرب، فى سنوات تكوينهم المبكرة، هى التى تحشو رؤوسهم بالعداء لإسرائيل، وأن الحل، الذى رَوَّجت له ودفعت مؤيديها فى الغرب لتبنيه لفرضه على العرب، أن يُغَيِّروا مناهجهم الدراسية، بحذف كل ما تعتبره إسرائيل مشيناً لليهود واليهودية والصهيونية، بزعمها أن هذا التغيير سوف يربى الناشئة العرب على تقبل فكرة التعايش السلمى مع إسرائيل!!
ولكن جاءت الأحداث العملية، بجرائم الحرب المروعة للإسرائيليين لتؤكد بطلان هذه الفكرة! فقد أُغْلِقَت المدارس بغزة، بل تهدمت وسُويَت بالأرض، وتَعَطَّل نظامُ التعليم تماماً، ولم يتلقَ التلاميذُ أى تعليم تَدَّعِى إسرائيل أنه سبب تفشى كراهيتها! فهل يمكن اليوم لأى إسرائيلى عاقل أن يزعم أن هؤلاء الأطفال الذين لم يتلقوا أى تعليم عن إسرائيل، يمكن أن يتقبلوا فكرة أنها دولة مسالمة جديرة بأن يحبوها وأن يقيموا معها علاقات سلام، وهم يرون جرائمها المروعة كل ساعة تقتل أحباءهم: أمهات وآباء وأشقاء وجيران وأصحاب، وهم يعيشون فى العراء لأن إسرائيل دمرت منازلهم، ويعانون الجوع والعطش لأن إسرائيل تحاصرهم بالحرمان من الطعام والمياه، ويموت أمامهم الجرحى والمرضى لأن إسرائيل تدمر المستشفيات وتمنع الدواء..إلخ؟
والمفارَقة الأخرى، أنه، وبرغم أن كل هذا تَكَشَّف كإحدى النتائج المباشرة لتوابع ضربة حماس فى أكتوبر، فإنه ينبغى استبعاد أن الكشف، بهذا التحديد، كان ضمن أهداف حماس ولا حتى توقعاتها قبل ضربتها، وإنما هو من التبعات التى تتجلى وفق آليات طبيعية كامنة فى كل حدث يصعب على البشر حصرها جميعاً مسبقاً، مهما كانت ثقافاتهم ومعارفهم وخبراتهم. وهناك شرح وافٍ للفكرة قَدَّمه هيجل (1770/ 1831) فى عَرْضه لكيف يسير التاريخ.
هذا المقال نقلا عن بوابة الأهرام











