لم يكن غريبا ذلك النجاح المدوى لبرنامج «دولة التلاوة» بكل هذا الزخم والمردود الأسطورى عبر الفضائيات التى تذيعه، وعبر مواقع التواصل الاجتماعى
يتواتر القول بين الأجيال منذ نزول القرآن وانتشار نور الله بالإسلام بين العالمين: نزل القرآن فى الحجاز، وكتب فى العراق، وقرئ فى مصر.
نعم تم الجمع الأول للقرآن كتابة، فى أرض ظهور الدعوة ونزول الوحى لكن مصر كان لها شرف أول جمع صوتى للقرآن فى المصحف المرتل أوائل ستينيات القرن الماضى بصوت الشيخ محمود خليل الحصرى رحمه الله. وبعدها كان لها مجد الانفراد بين كل دول وشعوب العالم الإسلامى وعبر تاريخه بالأصوات السماوية؛ ذلك الكنز الصوتى السرمدى الذى وهبه الله سر الجمال والأخذ بألباب السامعين، فتمكن من إحكام قبضته الحريرية على دولة التلاوة لكتاب الله المجيد.. ذلك الكنز الصوتى السرمدى الذى تتالت أجياله تترى جيلا بعد جيل تتسلم مقاليد الإبداع، وتسلم راية التفوق لمن بعدها. الكنز الصوتى الذى انفرد ـ بالفطرة ـ فوعى القرآن وتلاه وتمازجت فيه حلاوة الصوت وجمال الأداء وروعة التعبير عن معانى القرآن والتفاوت بين مواطن العبرة ومواطن الفرحة ومواقف الوعيد والتنفير، ومكامن الوعد والتبشير.
حقا إنها دولة التلاوة التى ملكت زمام هذا الفن السماوى الساحر الذى يملك ألباب السامعين لا فرق بين مسلم وغير مسلم؛ ويعلم الكثيرون أن قارئا مثل الشيخ محمد رفعت رحمه الله كان يلقب بقيثارة السماء هو الصوت الذى جعل الأقباط يطالبون بإعادة صاحبه إلى قراءة القرآن فى الإذاعة حين تم منعه منها لأنهم يحبون الاستماع إلى سورة «مريم» بصوته،
ولذلك لم يكن غريبا ذلك النجاح المدوى لبرنامج «دولة التلاوة» بكل هذا الزخم والمردود الأسطورى عبر الفضائيات التى تذيعه، وعبر مواقع التواصل الاجتماعى، وكيف حقق البرنامج مليار مشاهدة منذ بدء إذاعته وتحوله إلى ترند عالمى «بلغة السوشيال ميديا»، ليحقق طفرة مصرية جديدة فى عالم القرآن الكريم تضاف إلى انطلاق إذاعة القرآن الكريم منذ أكثر من ستين عاما. ولقد كان لقرار نشأتها ظروف وملابسات سبقته ودعت إلى اتخاذه؛ ففى أوائل الستينيات من القرن الماضى ظهرت طبعة مذهبة من المصحف، ذات ورق فاخر، وإخراج أنيق، بها تحريفات خبيثة ومقصودة لبعض آياته. مما استنفر وزارة الأوقاف والشئون الاجتماعية وقتها لكى تتدارك هذا العدوان الأثيم على كتاب الله، وبعد الأخذ والرد تمخضت الجهود والآراء عن تسجيل صوتى للمصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، على أسطوانات لتوزع نسخ منه على المسلمين فى أنحاء العالم الإسلامي، وكافة المراكز الإسلامية فى العالم، باعتبار ذلك أفضل وسيلة لحماية المصحف الشريف من الاعتداء عليه.
كان برنامج «دولة التلاوة» بمنزلة إعادة فتح كنوز مصر الصوتية فى تلاوة القرآن الكريم لتستمر مسيرة الحناجر الألماسية التى تحمل كتاب الله للمستمعين وتحقق لهم المتعة الوجدانية والاستمتاع القلبى والتفاعل العقلى مع كلام الله. ولم يكن غريبا ذلك الزخم من الأصوات قدر كونه مفاجأة سارة بأن عصر المهرجانات واليوتيوب والتيك توك لم يأخذ فى طريقه الأخضر واليابس، بل ظل الأخضر محتفظا بخضرته وينعه وطيب معدنه منتظرا لمن يرعاه ويصل برسالته كما يجب إلى الناس فيحفظ لهم توازنهم النفسى فى زمن يكاد يدمر هذا التوازن لدى الكثيرين.
المفاجأة السارة كانت فى هذا الكم من الأصوات المتمكنة جمالا وأداء وعلما، التى يستحق أصحابها جميعا الجائزة الأولى، وتميز منهم أربعة من (الشيوخ الصبيان) فى أرقى درجات التلاوة حفظا، وأداءً فى (عشر قراءات)، وأحكامَ تلاوة، وتمكنَ مقامات. وهو ما نادت به أصوات كثيرة عبر الفضائيات والسوشيال ميديا تناشد الجهات المسئولة من وزارة الأوقاف والأزهر ولجنة التحكيم أن تعطيهم جميعا الجائزة الأولى، وألا تصفيهم بتفاوت الجائزة وخروج البعض، بل تنادى لكل تلك الجهات بمنحهم الجائزة كاملة ورعايتهم علميا وإعلاميا بعد ذلك، وهو مطلب عادل إزاء ما أبداه هؤلاء المتسابقون، ونضم صوتنا إلى تلك الأصوات التى وجدت وسط ركام السطحية مثل هذه الكنوز الصوتية المصرية فى دولة التلاوة الفريدة بين كل أقطار العالم الإسلامي.
هذا المقال نقلًا عن أخبار اليوم











