لم يعد الخطر الذي يهدد الأطفال محصورًا في الشارع أو التعامل مع الغرباء وجهًا لوجه، بل تسلل بهدوء إلى أكثر الأماكن خصوصية وأمانًا داخل المنازل، حيث يجلس الطفل وحيدًا في غرفته، غارقًا في لعبة إلكترونية، بينما يتواصل في الوقت نفسه مع أشخاص مجهولين لا يعرف عنهم سوى أسماء مستعارة وأصوات عابرة.
في عالم الألعاب الإلكترونية الحديثة، لم تعد خاصية الدردشة مجرد إضافة ثانوية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تجربة اللعب، غير أن هذه المساحة المفتوحة تخفي خلفها مخاطر جسيمة، خاصة عندما يكون الطرف الآخر طفلًا يفتقر للوعي الكافي للتمييز بين المزاح والتهديد، أو بين الصداقة والاستدراج.
«كنت بلعب بس».. بداية بريئة ونهاية مقلقة
داخل غرف الدردشة، تبدأ القصة غالبًا بشكل عادي. تقول والدة الطفل زياد، البالغ من العمر 11 عامًا، إن نجلها أصبح أكثر انعزالًا، يقضي ساعات طويلة واضعًا سماعات الرأس، تتبدل حالته بين الضحك والغضب. في البداية اعتقدت أن الأمر لا يتجاوز الاندماج في اللعب، قبل أن تكتشف بالصدفة تعرضه لسخرية وشتائم متكررة من لاعبين أكبر سنًا عبر الدردشة الصوتية داخل لعبة «ببجي».
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل نموذجًا متكررًا لما يواجهه آلاف الأطفال يوميًا داخل غرف الدردشة في الألعاب الإلكترونية.
غرف بلا وجوه.. ومساحات مفتوحة للاستغلال
من خلال تجارب مباشرة وشهادات لاعبين، تبيّن أن بعض المستخدمين يستغلون هذه الغرف لطرح أسئلة شخصية، أو إطلاق إيحاءات لفظية، أو محاولة نقل التواصل إلى منصات خارج اللعبة، وهي خطوات غالبًا ما تمثل مدخلًا للتحرش أو الابتزاز الإلكتروني، خصوصًا مع الأطفال والمراهقين.
تحذيرات أولياء الأمور تتزايد؛ إذ تشير إسراء يحيى إلى تعرض أطفال للابتزاز المالي عبر التهديد بالحرمان من اللعب أو التشهير. بينما يؤكد محمد أحمد أنه لاحظ مشاركة ابنه في شات جماعي داخل لعبة «لودو»، حيث يؤدي تبادل الرسائل الصوتية والنصية إلى كشف معلومات شخصية قد تُستغل لاحقًا.
أما سارة يوسف، فترى أن الخطر يتضاعف مع الفتيات، خاصة حين يُطلب منهن إرسال صور أو بيانات يمكن التلاعب بها أو استخدامها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي في الابتزاز.
وقائع تكشف حجم الأزمة
في فبراير 2024، أعلنت صفحة «قاوم» المعنية بمواجهة الابتزاز الجنسي في مصر، عن واقعة لفتاة لم تتجاوز 14 عامًا، تعرضت لتهديد من لاعب داخل شات لعبة «لودو» لإجبارها على إجراء مكالمة فيديو غير لائقة.
وفي العراق، أثار قرار وزارة الاتصالات بحجب لعبة «لودو» جدلًا واسعًا، بعد تقارير رسمية ربطت بين غرف الدردشة داخل اللعبة وارتفاع حالات الابتزاز والخلافات الأسرية.
كما أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات الأردنية حجب غرف الدردشة في لعبة «روبلوكس»، بعد دراسات أكدت خطورة هذه الخاصية على سلامة الأطفال، مشيرة إلى أن طبيعة التفاعل مع مستخدمين مجهولين تجعلها بيئة خصبة للإساءة والاستغلال.
تحركات عربية للحد من الخطر
تأتي الخطوات الأردنية ضمن توجه عربي متصاعد؛ حيث حظرت قطر وعُمان منصة «روبلوكس» بالكامل، بينما أوقفت الكويت المنصة استجابة لشكاوى الأهالي. وفي الإمارات، جرى التعاون مع إدارة اللعبة لتعطيل بعض ميزات التواصل وتعزيز أدوات الرقابة، فيما ألزمت السعودية المنصة بحجب المحادثات الصوتية والنصية، وإيقاف مئات الآلاف من الألعاب ذات الطابع الاجتماعي.
واقع يفرض المواجهة
تؤكد هذه الوقائع أن غرف الدردشة داخل الألعاب لم تعد مسألة هامشية، بل خطرًا مباشرًا يهدد السلامة النفسية للأطفال. وبين تقصير بعض شركات الألعاب، وضعف الرقابة الأسرية، تبقى الأصوات المجهولة خلف الشاشات قنبلة موقوتة، تستدعي تحركًا عاجلًا من الأسرة والمجتمع والجهات المعنية.









